محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

156

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ويقول كنت ممازحا وملاعبا * هيهات نارك في الحشا تتسعر ألهبتها وطفقت تضحك لاهيا * مما به وفؤاده يتفطر أو ما علمت ومثل جهلك غالب * إن المزاح هو السباب الأكبر قال الجوهري : المزاح الدعابة وقد مزح يمزح والاسم المزاح والمزاحة أيضا ، وأما المزاح بالكسر فهو مصدر مازحه . وهما يتمازحان قال ابن عبد البر قالوا : من أراد أن يدوم له ود أخيه فلا يمازحه ولا يعده موعدا فيخلفه . وسبق الكلام في ضحكه عليه السلام حتى بدت نواجذه في فصول التوبة في أن سيئة التائب هل تبدل حسنة ، وقد ضحك المقداد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألقي إلى الأرض رواه مسلم " 1 " من حديث المقداد في قصة طويلة في آداب الأطعمة ، وروى ابن الأخضر فيمن روى عن أحمد بإسناده عن أبي مسعود الأصبهاني أحمد بن الفرات قال : كنا نتذاكر الأبواب فخاضوا في باب فجاؤوا فيه بخمسة أحاديث قال : فجئتهم بسادس فنخس أبو عبد الله أحمد بن حنبل في صدري لإعجابه به . وقال أبو الفرج في أوائل صيد الخاطر : ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزا ولا شرفا ولا راحة وسلامة أفضل من العزلة فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله عز وجل وعند الخلق ، لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم ولا يعظم عندهم قول المخالط لهم ، ولهذا عظم عليهم قدر الخلفاء لاحتجابهم ، وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصا في أمر هان عندهم ، فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم ، فقد قال بعض السلف : كنا نمزح ونضحك فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا . وقال سفيان : تعلموا هذا العلم واكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمحه القلوب ، فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر فقد قال عليه السلام لعائشة " 2 " : " لولا حدثان قومك يكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين " وقال أحمد في الركعتين قبل المغرب رأيت الناس يكرهونها فتركتها فلا نسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء ، إنما هذه صيانة للعلم ، إلى أن قال : فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية ، فلا ينبغي للعالم أن يتبسط عند العوام حفظا لهم ، ومتى أراد مباحا فليستتر به عنهم . وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب قد قدم الشام راكبا على حمار ورجلاه من جانب فقال : يا أمير المؤمنين يلقاك عظماء الناس ، فما أحسن ما لاحظ ، إلا أن عمر رضي الله عنه أراد به تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال : إن الله أعزكم بالإسلام فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم . والمعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال وإن كانت الصور تلاحظ انتهى

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2055 ) . ( 2 ) متفق عليه . البخاري ( 1583 ) ومسلم ( 1333 ) .